الخميس، 27 فبراير 2014

الشريك الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

أحب الخروج عن النمطية أحيانا، لذا فإنني في يوم عطلة اتصلت بصديق، وأخبرته عن قبولي لدعوته لي على إفطار فاخر في أي مطعم يختاره، قبلت الدعوة قبل أن يفكر بتوجيهها، فقط كي لا أكون السائق بهذه الرحلة، ولا يُستنفد وقود سيارتي على مشوار سيستفد محفظة أحدنا.

بهذا الصديق خبث، إذ باغتني بطلبه للذهاب بسيارتي، وافقت على مضض، وجهزت نفسي لتلك الوليمة التي تنتظرني، وخلال خمس دقائق بعد خروجي من المنزل، اتصلت به لأخبره أنني في الخارج، فأتاني مختالا بنفسه ولا أعلم لماذا، سألته ليتأكد من وجود محفظته معه لأنه سيدفع الحساب، شاء ذلك أم أبى.

أمسك صاحبي بهاتفه، مرة يكتب رسالة، وأخرى يرد على اتصال، وأخيرا يبعث بريدا إلكترونيا، وأنا لا أملك إلا أن أحادث نفسي، وأعد أسناني بلساني، وأستمع لجكجكة هاتفه.

طلبت منه الكف عن الكتابة أكثر من عشر مرات، أما عذره فهو أنه يدير مشروعه الصغير عن طريق الهاتف، ولا يستطيع التأجيل، وكلما بدت علي علامات الضيق، قال: أمهلني دقيقتين فقط.

طوال ذلك المشوار الذي امتد لساعتين تقريبا، كان هو يكتب وأنا أنبّه، هو يتعذر وأنا أتضايق، هو يطلب تمهلي لدقائق وأنا أعد وأغضب، هكذا حتى أوصلته لبيته ويحمل كل منا في صدره ضيقا من صاحبه.

بُلينا في هذا الزمن بالهواتف الذكية، وهذي الهواتف نتباين في كيفية استخدامها، إما بسوء أم بخير، أو ربما بما بين هذا وذاك، إذ نستخدمه أحيانا لتمضية وقت فراغ يمر بنا، ونعجز عن استغلاله بما يفيدنا.

في الآونة الأخيرة صرت أحب الخروج لوحدي، أجلس في مقهى وأقرأ أحد الكتب المكدسة بسيارتي، ذلك خير لي من صديق أشغل يديه وعينيه وثلاثة أرباع ذهنه بالهاتف، وأعطاني سمعه وربع ذهنه فقط، وعُشر لسانه ليقول لي في حال غضبي: أنا معك، أسمعك، أكمل.

كل من يعرفني، يعلم أني أحب اللقاءات الثنائية، أنا وصديق، أنا وأخ، أنا وزوجة، أنا وشريك واحد فقط في المشوار، ولا أحد غيرنا، مع وجود بعض الاستثناءات طبعا.

حاليا، أعاني من انعدام هذه الثنائيات، إذ دائما ما يكون لنا شريك ثالث يُدعى: (آيفون أو جالاكسي)، إذ ينشغل به شريكي ولا يعطيني انتباها أستحقه، وإن عاتبته فإنه يحاول أن يعدل بيننا، ويسوّغ فعله بأن يكلمني قليلا، ثم يعيد الانشغال بشريكنا الثالث قليلا.

أما أكثر ما يغيظني، فهو حين يترك هاتفه ويقول: "هيا تكلم، أسمعك"، ثم الويل والثبور لك إن صمت لنصف دقيقة، لأنه سيعيد الانشغال بالشريك، وكأنه يقول: "إما أن تتكلم، أو تدعني ألهو بهاتفي"، لست أعلم سبب هذه العقوبة، ولا أعلم ذنبي لتلقيها سوى أنني سكت قليلا.

وما أعظم حجة الصديق حين يخبرك بأنك تمسك هاتفك أيضا، ولا يحق لك أن تحلل لنفسك ما تحرمه على غيرك، تماما كالذي ذهبت معه للإفطار، إذ وصلتني رسالة أثناء عتابي له، فقال مداعبا: "إياك أن تلمس هاتفك الآن، عد للبيت وافعل ما تريد"، هناك فرق يا صاحبي بين قراءة رسالة والرد عليها، وبين الحديث المطول مع أحدهم عبر الرسائل، هناك فرق بين كتابة رسالة قصيرة، وبين قراءة تغريدات كل ما تتابعهم في (تويتر)، فرق شاسع بين كتابة فكرة طرأت ببالك في هاتفك، وبين مشاهدة مقاطع فيديو في (يوتيوب) أو (أنستقرام)، لا مجال للمقارنة يا صديقي.

لي صديق واحد فقط يحترم وجودي معه احتراما كاملا، ويهمل كل منا هاتفه طوال مدة بقائنا برفقة بعضنا، إلا للضرورة طبعا، وما عداها فإن الشريك الثالث مهمش ولا يُؤبه له، لهذا فهو من المفضلين عندي.

إنك حين تتلقى اتصالا من صديق للخروج معك، فإنه يريد مرافقتك، لا مرافقة هاتفك، إذ ما هو مهم في وسائل التواصل الاجتماعي يمكن تأجيله، كل ذلك ممكن ما دمت لست وزيرا.

لا أقول حاربوا الهواتف، بل أدعو لتقليل هيمنة هذا الشريك على مجريات لقاءاتنا، وإن استطعنا إلغاءها فبها ونعمت، فهواتفنا تنتظر، والصديق إن رحل متكدّرا فرجوعه يعسر، وإن الضيق فوق الضيق سيُبدل ما في قلوبنا من مودة إلى تنافر شيئا فشيئا، حتى لا يبقى من الصداقة شيء غير الذكريات.

هذه نصيحتي لنفسي أولا، ولأهلي وصحبي ثانيا، ولكل قارئ ثالثا، والنصيحة –كما يُقال- بجمل.


سعد المحطب
27-2-2014
TWITTER: @Saad_ALMohteb

الأحد، 23 فبراير 2014

هندس ذبذباتك

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت تغريدة أعاد أحدهم تغريدها، مفادها السخرية من فتاة أعتبرها من أهل الكوميديا، إذ توهم الناس بعلم يسمى: "الذبذبات"، وهو باختصار: أنك تستطيع الحصول على كل شيء تريده عن طريق إرسال ذبذباتك له، لهذا أعتبر الفتاة كوميدية.

لست بصدد الحديث عن الذبذبات، لأن ذبذباتي حاليا غير مستقرة وقد تؤذي أحدا بغير قصد، لذا سأحوّل محور الحديث إلى من كتب التغريدة التي أُعيدَ تغريدها لتصل إلي، لأنه أهل للسخرية، وأعتبره "نكتة" غير مضحكة نهائيا.

علّقت على كلامه قائلا بما معناه: "أحدهم سخر من ذبذبات فلانة كايزن، واتهمها بالاحتيال على الناس، وبيع الأوهام لهم، ونسي الرخص الذي يبيعه للناس باسم: هندس كذا وكذا، وسيتحفنا قريبا بورشة تدريبية بعنوان: "هندس نصبك".

رد علي أخونا في الله بادعائه تقبل نقدي بصدر رحب، ووجه لي دعوة شفهية (أو تويترية بمعنى أدق) لحضور أقرب ورشة من تقديمه مجانا، وإلى الآن لم أتلق الدعوة الرسمية التي مضى عليها أكثر من سنة.

أسهبت كثيرا بانتقاد الدورات الرخيصة، وكشفت –بفضل الله- كذب كثيرا من مدربي الرخص، لذا لن أطيل الحديث عمن لا يستحق، إذ هم كالكلاب الذين يعوون، فلو ألقمنا كل واحد منهم حجرا، لأصبح الصخر مثقال بدينار، كما يقول الشاعر.

المشكلة التي نعاني آثارها أننا نرى الكثير من النكرات يستنكرون عمل نكرات مثلهم، فهذا يضرب ذاك، وذاك يتهم هذا، وضاع بينهما جمهور كل منهما.

عادة لا أكون متحيزا لطرف، فالنكرات لا تستحق الدفاع عنها، وقناعتي التي تتزحزح هي أنهم شيء مؤقت سيزول، لا نحتاج للتعامل معهم سوى للسكوت عنهم، فأفعالهم باطلة، وحججهم واهية، وأساليبهم مكشوفة، وكل كلامهم مردود عليه بالأدلة الدامغة.

ما دفعني لانتقاد نكرة الهندسات هو أنه يتبع مثل منهج الاستخفاف بالعقول الذي يتبعه غيره، لكنهم لم يسلموا من شره، فاستغل شهرته بين المساكين لضرب مشهور آخر بين مساكين آخرين، وكأنه يريد لمساكينه أن يقنعوا مساكين غيره لينضموا إليهم، فيزداد عدد مساكينه، ويزداد المخدوعون بهذيانه، وتزداد أسعار ورشه ودوراته، وأخيرا.. يتضخم رصيده في البنك، فيبحث عن مساكين أغنى منكم، وتبحثون أنتم عن (صائد مساكين) جديد يخبركم بقدرتكم على التحدث أمام الجمهور، مقابل أن تدفعوا لهم مبلغا معينا.

أحب الكتابة، وتخصصي الجامعي هو علم النفس، فانتظروا مني ورشة تدريبية بعنوان: (نفّس كتابتك)، أو (سكلج* حياتك).

لكنني أخشى أن يأتي إليّ مخادع منافس فيسخر مني..!! إن فعل ذلك فإني سأدعوه أمام الناس لحضور الورشة مجانا، ولن أكون جادا، بل هي –كما يسميها المصريون- (عزومة مراكبية)، فهذه طريقة المحتالين للظهور أمام الناس بمظهر لائق.

أقول، إن بُليت بأمر مشين، ورأيت غيرك يقوم بمثله، فلا تنكر عليه وتستمر أنت، بل سر معه بنفس الخط صامتا، أو تُب إلى ربك واترك ما أنت عاكف عليه، ثم انصح غيرك، أو اسخر منه، لك الخيار وحدك، والأمر عائد لتربيتك ودينك.

النقد متاح للجميع، والأهداف من ورائه تختلف، ليتك يا صاحب النقد تُحسن توجيه سهامك، وتجعلها للإصلاح لا الانتقام، فإن الكريم لا ينتقم ولو أتيحت له الفرصة، وكن على يقين أن مهندسي الحياة ومذبذبيها مساكين، أصابهم الله بمرض النقص وحب الشهرة، وأدعو الله أن يشفيهم، وما انتقادي لتلك الفئة إلا للتحذير منهم، ومحاولة تصحيح مسارهم، والله الموفق.

*سكلج: لا معنى لها، ذكرتها للتندّر، وهي مشتقة من معنى (علم النفس) بالإنجليزية (سايكولوجي Psychology)، وهي على وزن: هندس.


سعد المحطب
23-2-2014
Twitter: @Saad_ALMohteb

الأحد، 9 فبراير 2014

الرجل مرزوقة

بسم الله الرحمن الرحيم

وُلدت في عام 1987، وهذا يؤهلني لاستحقاق لقب: "الطيب"، لأنني من جيل ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يُسمى بجيل الطيبين.

أذكر أني قبل إتمام العقد الأول من عمري، كنا نتابع مسلسلا خفيف الظل، نترقبه ظهر كل يوم، مسلسل يُدعى "قاصد خير"، وكانت من شخصيات المسلسل مطربة أفراح "طقاقة"، اسمها (مرزوقة سيسم).

مضت الأيام سريعة، وبدأت العقد الثالث من عمري، وكعادتي السنوية فإني لا أفوّت على نفسي فرصة زيارة معرض الكتاب، سعدت يوم رأيت شبابًا من الجنسين بعمري وأصغر (جيل الاحتلال) يقفون أمام مؤلفاتهم لعرضها وتسويقها، وكنت أشتري الكثير منها لتشجعيهم، وأيضًا ليقيني أني سأقف مثل وقفتهم تلك عاجلًا غير آجل بإذن الله.

أحد مدّعي الكتابة صنع أمرًا عجبًا، فلقد استطاع أن يمزج بين شخصيتَيْ الشاب (في بطاقته المدنية) وشخصية الفتاة في تصرفاته، فطرتي السليمة أصيبت بالاشمئزاز من منظره، فابتعدت عنه كي لا أنظر في عينيه العسليتين اللامعتين جدًا، رغم شدة سمرته المقتربة من السواد، أي أنه يستحيل فيزيائيًا أن يكون هذا هو لون عينيه الطبيعي، ولو أطلت نظري لعينيه لضحكت.

حين وصلت لمنتصف العقد الثالث، وقّعت عقدًا مع إحدى دور النشر الأكثر انتشارًا والأذيَع صيتًا، ووقفت في معرض الكتاب كالذين كنت أشتري كتبهم تشجيعًا، وإن الله لذو فضل على الناس، إذ لقيت من تشجيع الناس ما فاق أمنياتي.

أثيرت فطرتي مرة أخرى، فقام الاشمئزاز بدوره على أكمل وجه، وأصاب نفسي ونفس كل صاحب فطرة سليمة بمقتل، إذ أن عدد (مزدوجي الجنس) ازداد بشكل رهيب، ويظهر ذلك من طريقة تسريحاتهم، ومن أسلوب أحاديثهم، وعناوين كتبهم، وأخيرًا.. من جمهورهم الأنثوي المنحرف.

قرأت لزميلة تغريدة تكلمت فيها عنهم –أو عنهن- فأثارت شجوني بالذكرى التي أحيتها بتلك التسمية، ونالت تأييدي على ما قالت ووصفت، وصرت أسميهم كما تفعل هي: مرزوقة.

تذكرت زمان (الطيبين)، وكيف كانت تُعامل فئة (المرزوقات)، وكيف كانوا منبوذين لا يُؤبه لهم، بل إنهم كانوا مُحتقرين أينما حلوا، ومحل سخرية كل من رآهم أو سمع بهم.

ترحّمت على ذلك الزمان الطيب، ونفضت يديّ من زمان بات يُكرم من ليسوا أهلًا بغير ضرب النعل على وجوههم، فصاروا يفاخرون بأنوثتهم المكتسبة من بيئاتهم النجسة التي لم تحسن تربية أحد منهم، فأخرجت لنا مسوخًا لا يُعرف لها أصل، ولسنا نعلم إن ماتوا أنكفنهم بثلاثة أكفان (كالرجال) أم بخمسة (كالنساء)..!! أو ربما يُتركون جيفًا تُرمى للكلاب والذئاب، لست أدري.

أعلم أنهم سيتمادون فيما هم فيه، وأعلم أنهم (موضة) ستنتهي قريبًا، فلا داعي لأعطيهم أكبر مما يستحقون من الاهتمام، لكني يؤسفني أن أعلمهم أن انتهاء حقبتهم سيتلازم مع امتلاء جيوبهم بأموال المراهقين فكريًا من خُدع بهم وروّج لتفاهاتهم.

كلامي هذا دعوة مني صريحة لكم يا من بيدكم إنهاء صرح من الرمال بُنيَ لنكرات أسموا أنفسهم كتّابًا، مزقوا كتبهم الإباحية، وقاطعوا قراءة مهازلهم الأدبية، ولا تأبهوا لضخامة تسويقهم، فالمنتج الجيد يحتاج لتسويق عظيم للتعريف فقط وليس للترويج، فعليكم بمن يحترم عقولكم من النساء والرجال فقط، وليس من كان مذبذبًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

سعد المحطب
9-2-2014
Twitter: @Saad_ALMohteb